Thursday, June 2, 2011

هَوَسْ



أرق أشياء كثيرة مبعثرة وموسيقى جاز.

تتذكره وتأخذ نفساً عميقاً من سيجارتها مع البقايا المرة للقهوة فى قعر فنجانها.

تقرر أن تصنع لعنة خاصة من أجله.

لعنة تليق بعذاباتها فى حبه ستجعلة يسهر ليالى طويلة ربما, أو يهيم فى الطرقات حافى
القدمين بلا هدف. أو يرى وجهها فى كل
 الوجوه وعلى صفحة الماء وفى كل الاشياء الحية والجامدة.

تتذكر أنها لا تتقن التفوه باللعنات اللفظية, لا تتذكر الكلمات التى يجب أن تقال.

كل النساء العاشقات يعرفن كيف يصنعن اللعنات, فقط لو استطاعت أن تتذكر الكلمات
وتلقيها فى وجهة, تخبره بثبات وثقة أن كل
ما فعله بها سينقلب عليه مثلما فعلت السيدة فى الفيلم الذى لا تتذكره.

تنفث الدخان وتنظر لفنجانها الفارغ وتقرر أن تصنع تعويذة بدلاً من اللعنة.

ستصنعها من ذكرى حزينة لليالى تركها فيها وحيدة, تحاول جاهدة تذكر ليلة تركها فيها وحيدة,

 هناك تلك الليلة التى تأخر فيها غضبت كثيراً وعاد ليعتذر ويضع على عنقها عقداً من
 اللؤلؤ الأبيض, تبسمت عندما تذكرت,
 البسمات لا تصلح لصنع تعاويذ العذاب واللون الأبيض حتماً يفسد التعويذة.

ربما تصنعها من ذكرى لخيانته لها, متى فعلها؟ لا تتذكر. هو أصلاً لم يفعلها.

تعتصر ذهنها، هو يضحك للشابات الجميلات فى الشارع وفى الأسواق, الحقيقة هن
 يضحكن له يحاولن لفت انتباهه لكنه لا يعبأ.

لعله يتظاهر بذلك عندما تكون معه ثم يفعل ما بدا له عندما يكون وحده, ربما يفكر فى
النساء الأخريات ذوات التنانير الملونة.
 لكن "لعله" و"ربما" لا تصلح لصناعة التعويذات لن تكون تعويذة محكمة.

تصنع فنجاناً أخر من القهوة أكثر مرارة وتبحث ضمن الفوضى المحيطة عن أشياء
 تخصه لتكمل بها تعويذتها التى لم تصنعها.

تتذكر أن أشياءه كلها فى الخزانة الخشبية القديمة, ربما الدب الذى أهداها إياه فى عيد
العشاق مازال يحمل رائحة كفية, أو ربما
 زجاجة العطر التى شراها لها فى عيد ميلادها, أو زوج الأقراط المتدلية البراقة التى
 أهداها لها بلا مناسبة.

تزداد حيرتها فالخزانة مليئة بالاشياء, كل الأشياء تحمل رائحته, الخزانة نفسها تحمل رائحته,

 الخشب البنى العتيق بلون عينيه ولكن بدون اللمعه التى يحملها إنسان عينه عندما
 ينظر إليها, أشياء كثيرة مكدسة تحمل رائحته
 أهداها لها بمناسبات أو بدون.

صندوق خشبي صغير أهداه لها لتحفظ فيه حليها وقررت أن تحتفظ فيه بخطاباته,
 أخبرها مراراً أنه لا يجيد كتابة الخطابات.

 أخبرها أنه لا داعى للخطابات لأنه دائماً هنا.

 مازال الصندوق خالى هو لم يرسل خطابات.

تزداد حيرة وحنقاً, لابد أن يتعذب فى غيابها مثلما تفعل فى غيابه، تريد تسكن أفكاره
عندما تغيب قليلاً مثلما يملأ الأشياء كلها
 عندما يذهب, تريده يصاب بهوس الفقد كلما أغلقت الباب كما تفعل كلما غادر، أن
 يفتقدها حتى وهى بجواره مثلما تخشى ضياعه
وهو ملىء يديها وعينيها, يتشبث بيديها وهى مستلقية بجواره كما تشبك ذراعيها حوله
عندما يريح رأسه على صدرها.

تريده يخشى النوم لكيلا يفقدها فى غفوته مثلما تعجز عن إغلاق عينيها خشية تلاشيه
 ما بين إغماضه وارتداد طرف.

تبعثر الأشياء التى جمعتها لتكمل مشهد الفوضى حولها وتطوى كتاب تعويذات حاولت
 الاستعانة به وفشل غير مره فى مد يد العون.

تجمع البخور فى برطمان صغير وتحكم إغلاقة وتضعه على رف كبير بجانب
 تعويذات أخرى لم تكتمل.

تبكى قليلاً وتختفى عيناها بين خيوط الكحل الممزوج بالدمع  وتتذكر أخر كلماته قبل
 أن يصفق الباب خلفه عندما غادر فى
 الصباح، أخبرها أنها مجنونة.

هى تدرى فى قرارة نفسها أنها مجنونة ربما, أو مهووسة بالفقد ولكنها تعلم أيضاً أنه
يعود كل مساء وأنه يغفر لها حماقتها قبل أن
يتلاشى صدى صفق الباب فى أذانها.

تسرع لترتيب الحجرة تغسل وجهها وتضع قليلاً من الاصباغ, تعدل هندامها وتضع
 موسيقى كلاسيكية بدل موسيقى الجاز وتذهب
 لتنتظره فى الشرفة.

فى نفس موعده يصل حاملاً باقة زهور وعلبة ملونة صغيرة وتسرع هى لملاقاته على
 الباب يلتقيان بدون عتاب يهديها زهوراً
وقطعة حلى وفى طريقهما يمر بالرف الذى تحتفظ فيه بتعاويذها ينظر فى عينيها
 معاتباً، ويسألها هل فشلت التعويذة الجديدة؟

تبتسم فى خجل وتخبره أنها نجحت والدليل أنه هنا.

يرفع رأسها لأعلى حتى يرى عيناها ويخبرها أن تعويذتها ليست السبب ولكنه يعود فى
 كل مرة بسبب لعنة.

يخبرها أنها لعنته وتعويذته وتميمة حظه وأنها مجنونة.
                                                         تمت

14 comments:

لبنى أحمد نور said...

نص مبهر لأبعد حد :)
كما سابقه وسابقيه
سلمت روحك

ღ أحاسيس آيـــوشـه ღ said...

اكثر من رائع

حَـبآيـۃْ.بـטּـدۉڷ said...

رآئِعَه جداً ..:)

Mosaab Hawsawi said...

مجنونة..

طالبة مقهورة ..درجة أولى said...

كنت هزعل لو مقرأتش البوست ده

هى تدرى فى قرارة نفسها أنها مجنونة ربما, أو مهووسة بالفقد ولكنها تعلم أيضاً أنه يعود كل مساء وأنه يغفر لها حماقتها قبل أن يتلاشى صدى صفق الباب فى أذانها.

رهيبة اوي اوي تسلم ايدك ع الابداع ده بتتحفني كل مرة :)

قهوة بالفانيليا - شيماء علي said...

جميلة يا حسيني ..
جميلة للغاية .. كل الكلمات و كل المشاهد و كل المشاعر ..
صحيح .. نحن نتمنى أن يصاب الآخر بهوس الفقد :)
بهذا الألم .. !!
نعم ..:)
هذا حقيقي جداً ..!!
و واقعي ..!

الحسينى said...

@ لبنى
سلمتِ :)
شكراً على الدعم المعنوى :))
تحياتى

الحسينى said...

@ أحاسيس أيوشه
شكراً لذوقك
نورتى المدونة.
تحياتى

الحسينى said...

@ حباية بندول
الأروع مرورك
تقبلى تحياتى.

الحسينى said...

@ مصعب
:)
فعلاً مجنونة
تحياتى.

الحسينى said...

@ طالبة مقهورة
شكراً على ذوقك وعلى مرورك وتعليقك
وشكراً على تدويناتك الهايلة :)
تحياتى

الحسينى said...

@شيماء
نورتى البوست يا شيماء
متابع تدوينك اليومى
تحياتى

WINNER said...



قصة جميلة.

Sara said...

رائعة جدًا :)